أحمد بن محمد المقري التلمساني

76

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

البنود والطبول والآلة ، وألبس خلعة الملك ، وقيّدت له مراكبه ، فاستقلّ ، وقد التفّ عليه كلّ من جلا عن الأندلس من لدن الكائنة في جملة كثيفة ، ورأى من رقة الناس وإجهاشهم وعلوّ أصواتهم بالدعاء ما قدم به العهد ، إذ كان مظنّة ذلك سكونا وعفافا وقربا قد ظلّله اللّه برواق الرحمة ، وعطف عليه وشائج المحبّة ، إلى كونه مظلوم العقد ، منتزع الحقّ ، فتبعته الخواطر ، وحميت عليه الأنفس ، وانصرف لوجهته . وهو الآن بربدة مستقلّ بها وبجهاتها ، ومقتنع برسم سلطنتها « 1 » ، وقد قام له برسم الوزارة الشيخ القائد أبو الحسن علي بن يوسف بن كماشة الحضرمي ، وبكتابته الفقيه أبو عبد اللّه بن زمرك ، وقد استفاض عنه من الحزم والتدرّب والتيقّظ للأمور والمعرفة بوجوه المصالح ما لا ينكر ، كان اللّه لنا وله بفضله ! انتهى كلام لسان الدين بن الخطيب في « اللمحة البدرية » . وقد علمت أنه بعد هذا التاريخ عاد سلطانه إلى حضرة غرناطة ، واستبدّ بملك الأندلس ، وعاد لسان الدين إليه حسبما أحسن سياق ذلك لسان الدين رحمه اللّه تعالى في كتاب من إنشائه على لسان سلطانه الغني بالله ، وخاطب به ملك الحرمين ومصر والشام السلطان المنصور بن أحمد بن الناصر بن قلاوون ، وقد ذكرنا منه ما يتعلّق بالأندلس في الباب الثاني من القسم الأول ، وقال بعد ذلك فيما يتعلّق بالخلع المذكور ما نصّه : ولمّا صيّر اللّه إلينا تراثهم الهني ، وأمرهم السني ، وبناءهم العادي ، وملكهم الجهادي ، أجرانا - وله الطّول « 2 » - على سننهم ، ورفع أعلامنا في هضابهم المشرفة وقننهم ، وحملنا فيهم خير حمل ، ونظم بنا لهم أي شمل ، وألبس أيامنا سلما فسح الدارة ، وأحكم الإدارة ، وهنأ الإمارة ، ومكن العمارة ، وأمن في البحر والبرّ السيارة والعبارة ، لولا ما طرقهم فينا من تمحيص أجلي عن تخصيص ، وتمحّض تبره بعد تخليص ومرام عويص ، نبثّكم بثّه ، ونوالي لديكم حثّه ، ونجمع منبثّه ، فإنّ في الحوادث ذكرا ، ومعروف الدهر لا يؤمن أن يعود نكرا ، وشرّ الوجود معاقب بخيره ، والسعيد من اتّعظ بغيره ، والحزم أفضل ما إليه ينتسب ، وعقل التجربة بالمرانة يكتسب ، وهو أنّ بعضا ممّن ينسب إلينا بوشائج الأعراق ، لا بمكارم الأخلاق ، ويمتّ إلينا بالقرابة البعيدة ، لا بالنصبة السعيدة ، ممّن كفلناه يتيما ، وصنّاه ذميما شئيما ، وبوّأناه مبوّأ كريما ، بعد أن نشأ حرفوشا دميما ، وملعونا لئيما ، ونوّهناه من خموله بالولاية ، ونسخنا حكم نسجه « 3 » بآية العناية ، داخل إخاء « 4 » لنا كنّا ألزمناه الاقتصار على

--> ( 1 ) في ب « مستقل بها وبجهاتها ، ومتعلل بألقاب ، ومقتنع برسم ، وقد قام . . . » . ( 2 ) الطول : الفضل . ( 3 ) في ب « حكم تسحّبه » . ( 4 ) في ب « داخل أخا » .